العيني

123

عمدة القاري

ولد في آخر خلافة عثمان ، رضي الله عنه ، وروى عنه ابنه . قال : أعقل قتل عثمان ، ويقال إنه من مولدي الجند من مخاليف اليمن ونشأ بمكة وصار مفتيها ، وهو من كبار التابعين ، وروى عن العبادلة وعائشة وغيرهم ، وروى عنه الليث حديثاً واحداً ، وجلالته وبراعته وثقته وديانته متفق عليها ، وحج سبعين حجة ، وكانت الحلقة بعد ابن عباس ، رضي الله عنهما ، له . مات سنة خمس عشرة ، وقيل أربع عشرة ومائة ، عن ثمانين سنة . وكان حبشياً أسود أعور أفطس أشل أعرج ، لامرأة من أهل مكة ، ثم عمي بآخرة ، ولكن العلم والعمل به رفعه . ومن غرائبه أنه يقول : إذا أراد الإنسان سفراً له القصر قبل خروجه من بلده ، ووافقه طائفة من أصحاب ابن مسعود ، وخالفه الجمهور . ومن غرائبه أيضاً أنه إذا وافق يوم عيد يوم جمعة يصلى العيد فقط ، ولا ظهر ولا جمعة في ذلك اليوم . الخامس : عبد اللَّه بن عباس . بيان لطائف إسناده : منها : أن فيه التحديث والعنعنة والسماع . ومنها : أن رواته أئمة أجلاء . ومنها : أن فيه من رأى الصحابة اثنان . ومنها : أن فيه لفظة : أشهد تأكيداً لتحققه ووثوقاً بوقوعه ، لأن الشهادة خبر قاطع ، تقول منه : شهد الرجل على كذا . وإنما قال : أشهد ، بلفظة : على ، لزيادة التأكيد في وثاقته ، لأنه يدل على الاستعلاء بالعلم عن خروجه ، عليه الصلاة والسلام ، ومعه بلال ، إذا كان لفظ : أشهد ، من قول ابن عباس ، أو على استعلاء العلم على سماعه من ابن عباس إذا كان لفظ : أشهد ، من قوله عطاء . لأن الراوي تردد في هذه اللفظة ، هل هي من قول ابن عباس أو من قول عطاء ؟ ورواه أيضاً بالشك حماد بن زيد عن أيوب . أخرجه أبو نعيم في ( المستخرج ) . وأخرجه أحمد بن حنبل عن غندر عن شعبة جازماً بلفظ : أشهد عن كل منهما . بيان من أخرجه غيره : وأخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن أبي عمر كلاهما عن سفيان ، وعن أبي الربيع الزهراني عن حماد بن زيد عن يعقوب ابن إبراهيم الدورقي عن إسماعيل بن إبراهيم ، ثلاثتهم عن أيوب به . وأخرجه أبو داود أيضاً فيها عن محمد بن كثير وحفص بن عمر ، كلاهما عن شعبة به ، وعن محمد بن عبيد بن حسان عن حماد بن زيد ، وعن أبي معمر عن عبد اللَّه بن عمرو ، ومسدد ، كلاهما عن عبد الوارث عنه به . وأخرجه النسائي في الصلاة وفي العلم عن محمد بن منصور . وأخرجه ابن ماجة في الصلاة عن محمد بن الصباح ، كلاهما عن سفيان به ، ومعنى حديثهم واحد . بيان اللغات : قوله : ( بالصدقة ) ، وهي ما تبذل من المال لثواب الآخرة ، وهي تتناول الفريضة والتطوع ، لكن الظاهر أن المراد بها هنا هو الثاني . قوله : ( القرط ) ، بضم القاف وسكون الراء : ما يعلق في شحمة الأذن ، وقال ابن دريد : كل ما في شحمة الأذن فهو قرط سواء كان من ذهب أو غيره . وفي ( البارع ) : القرط يكون فيه حبة واحدة في حلقة واحدة . وفي ( العباب ) : والجمع أقراط وقروط وقرطة وقراط ، مثال : برد وأبراد وبرود ، و : قلب وقلبة ، و : رمح ورماح . و : ( الخاتم ) فيه أربع لغات : كسر التاء وفتحها وخيتام وخاتام ، الكل بمعنى واحد . بيان الإعراب والمعاني : قوله : ( خرج ) ، جملة في محل الرفع لأنها خبر : أن ، أي : خرج من بين صفوف الرجال إلى صف النساء . قوله : ( ومعه بلال ) ، جملة اسمية وقعت حالاً ، هذه رواية الكشميهني بالواو ، وفي رواية غيره : ( معه بلال ) . بلا واو ، وهو جائز بلا ضعف ، نحو قوله تعالى : * ( اهبطوا بعضكم لبعض عدو ) * ( البقرة : 36 والأعراف : 24 ) وبلال : هو ابن رباح ، بفتح الراء وتخفيف الباء الموحدة ، الحبشي القرشي ، يكنى أبا عبد اللَّه أو أبا عمرو أو أبا عبد الرحمن أو أبا عبد الكريم ، وشهرته باسم أمه حمامة . قوله : ( فظن ) أي : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنه لم يسمع النساء ) حين أسمع الرجال ، وفي بعض النسخ : فظن أنه لم يسمع ، بدون لفظة النساء ، و : أن مع اسمها وخبرها سدت مسد مفعولي : ظن . قوله : ( فوعظهن ) الفاء فيه تصلح للتعليل ، ( وأمرهن ) عطف عليه . قوله : ( بالصدقة ) الألف واللام فيها للعهد الخارجي ، وهي صدقة التطوع ، وإنما أمرهن بها لما رآهن أكثر أهل النار ، على ما جاء في الصحيح : ( تصدقن يا معشر النساء ، إني رأيتكن أكثر أهل النار ) . وقيل : أمرهن بها لأنه كان وقت حاجة إلى المواساة ، والصدقة يومئذٍ كانت أفضل وجوه البر . قوله : ( فجعلت المرأة ) جعلت : من أفعال المقاربة ، وهي مثل : كاد ، في الاستعمال ، ترفع الاسم ، وخبره الفعل المضارع بغير أن ، متأول باسم الفاعل ، وقوله : ( القرط ) بالنصب مفعول : ( تلقي ) من الإلقاء . ( والخاتم ) عطف عليه . قوله : ( وبلال ) مبتدأ ( ويأخذ في أطراف ثوبه ) خبره ، والجملة حالية ، ومفعول : يأخذ ، محذوف . بيان استنباط الأحكام : الأول : قال النووي : فيه استحباب وعظ النساء وتذكيرهن الآخرة وأحكام الإسلام ، وحثهن على الصدقة ، وهذا إذا لم يترتب على